خليل الصفدي
409
أعيان العصر وأعوان النصر
يبسم عن درّ صدفه مرجان ، ويسيل سالفه مسكا ضمّه من كافور خديه مرجان ، إذا خطا قلت : هذا غصن بان ، يميس من أردافه على كثبان ، تعلوه مهابة الملك وبهاؤه ، وتلوح عليه عظمته - على صغر سنه - وسناؤه ، هذا إلى شكل قد أتم اللّه خلقه ، وزيّنه لمّا لطّف خلقه . كان جسمه من الزّبد مجمّد ، وكمال جماله من رآه صلّى على محمد ، رأيته ليلة وقد أمر السلطان للنّشو أن يعمل له مولدا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويجمع له الفقراء بعد الختم في جامع القلعة ، فصنع له ذلك ، وجاءت مشايخ الصوفية ، وعملوا سماعا على باب دور السلطان ، والنشو واقف وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ، ووقف أقبغا عبد الواحد والطنقش الأستاذ دار في خدمته طول تلك الليلة ، ودخل هو ورقص ، وحكاه البدر فزاد ، والبدر نقص ، ما خطر إلّا وبانت خجلة الأغصان ، ولا تثنّى إلّا وقلت : هذا قضيب النقا وأوراقه القمصان ، ورقص إخوته جملة معه ، ونظرهم الناس ، فقالوا : هذه كواكب السماء مجتمعة ، ولم ينم تلك الليلة فرحا بما رآه ، ولا استقر على الأرض لما فارقه من الحجر علي ونآه . وخلع في تلك الليلة على جماعة المغاني والذين قرءوا القرآن والسبع المثاني ، ونقّط بجمل من الذهب ، وفاق الريح لما جاء ووهب ، وكانت ليلة ما عهد الناس مثلها في عصرهم ، ولا رأوه لك الوقت في مصرهم ، ولكنه تجدّر قبل موته بقليل ، وتحدّر ذاك الحبّ اللؤلؤي على خدّه الأسيل . فأطلع اللّه النجوم على صفحة البدر ، وضمّ ذاك الجوهر على وجهه ، وكأنه حليّ نثر في صدر ، فغيّرت من محاسنه شيئا ، ونسخت من ظلها فيئا ، ولكن معالم جماله كما هي ، وتخاطيط وجهه للشموس والأقمار تضاهي . ولمّا توفى - رحمه اللّه تعالى - وجد أبوه عليه وجدا عظيما ، وكتم حزنه وأسفه عليه حتى راح كظيما ، ونثر عليه عقد دموع كان في عينيه نظيما . وقلت أنا فيه : ( السريع ) مضيت وكنت للدّنيا جمالا * وجرّعت الكواكب فيك فقدك ومن عجب اللّيالي فيك أن لا * يموت أبوك يا آنوك بعدك وكان ذلك منّي كهانة في حقه ، ولم يكمل من السنة نصفها حتى لحقه ، وصرفه صرف الزمان فيما احتاج إليه من النفقة .